فصل: تفسير الآيات (33- 34):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معالم التنزيل المشهور بـ «تفسير البغوي»



.تفسير الآية رقم (28):

{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)}
قوله عز وجل: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحجاج بن عمرو بن أبي الحقيق وقيس بن زيد {يظنون} بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة.
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ} أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} أي ليس من دين الله في شيء ثم استثنى فقال: {إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} يعني: إلا أن تخافوا منهم مخافة، قرأ مجاهد ويعقوب {تَقيَّة} على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف، مثل حصاة ونواة، وهي مصدر يقال تقيته تقاة وتقى تقية وتقوى فإذا قلت اتقيت كان المصدر الاتقاء، وإنما قال تتقوا من الاتقاء ثم قال: تقاة ولم يقل اتقاء لأن معنى اللفظين إذا كان واحدا يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ الآخر كقوله تعالى: {وتبتل إليه تبتيلا} [8- المزمل].
ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [106- النحل] ثم هذا رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم وأنكر قوم التقية اليوم قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في بُدُوِّ الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان؟ فقال سعيد: ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب {وَيُحَذِّرُكُم اللَّه نَفْسَهُ} أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار وارتكاب المنهي عنه ومخالفة المأمور {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}.

.تفسير الآيات (29- 30):

{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30)}
{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ} أي قلوبكم من مودة الكفار {أَوْ تُبْدُوهُ} موالاتهم قولا وفعلا {يَعْلَمْه اللَّهُ} وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه، بحربه وقتاله، يعلمه الله ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به ثم قال: {وَيَعْلَمُ} رفع على الاستئناف {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} يعني إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار وميلكم إليهم بالقلب؟ {وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
قوله تعالى: {يَوْمَ تَجِد كُلّ نَفْسٍ} نصب يوما بنزع حرف الصفة أي في يوم، وقيل: بإضمار فعل أي: اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس {مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} لم يبخس منه شيء كما قال الله تعالى: {ووجدوا ما عملوا حاضرا} [49- الكهف] {وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ} جعله بعضهم خبرا في موضع النصب أي تجد محضرا ما عملت من الخير والشر فتسر بما عملت من الخير وجعله بعضهم خيرا مستأنفا، دليل هذا التأويل: قراءة ابن مسعود رضي الله عنهما {وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا}.
قوله تعالى: {تَوَدّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا} أي بين النفس {وَبَيْنَهُ} يعني وبين السوء {أَمَدًا بَعِيدًا} قال السدي: مكانا بعيدا، وقال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب، والأمد الأجل والغاية التي ينتهي إليها، وقال الحسن: يَسُرُّ أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا، وقيل يود أنه لم يعمله {وَيُحَذِّرُكُم اللَّه نَفْسَه وَاللَّه رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}.

.تفسير الآيات (31- 32):

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)}
قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُم اللَّه} نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها الشُّنوُف وهم يسجدون لها، فقال: يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل فقالت له قريش إنما نعبدها حبًا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام ليقربوكم إليه فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
وقيل لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم فنزل قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا} أعرضوا عن طاعتهما {فَإِنَّ اللَّهَ لايُحِبّ الْكَافِرِينَ} لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أنا فليح، أنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» قالوا ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى».
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن عبادة، أنا يزيد نا سُليم بن حيان وأثنى عليه، أنا سعيد بن ميناء قال: حدثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم. فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوِّلوها له يفقهها، فقالوا: أما الدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس.

.تفسير الآيات (33- 34):

{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)}
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. يعني: إن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم على غير دين الإسلام {اصْطَفَى} اختار، افتعل من الصفوة وهي الخالص من كل شيء {آدَمَ} أبو البشر {وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ} قيل: أراد بآل إبراهيم وآل عمران إبراهيم عليه السلام وعمران أنفسهما كقوله تعالى: {وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون} [248- البقرة] يعني موسى وهارون.
وقال آخرون: آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم عليه السلام، وأما آل عمران فقال مقاتل: هو عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام {والد} موسى وهارون. وقال الحسن ووهب: هو عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن داود عليهما السلام والد مريم وعيسى. وقيل: عمران بن ماثان وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل كلهم من نسلهم {عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً} اشتقاقها من ذرأ بمعنى خلق، وقيل: من الذر لأنه استخراجهم من صلب آدم كالذر، ويسمى الأولاد والآباء ذرية، فالأبناء ذرية لأنه ذرأهم، والآباء ذرية لأنه ذرأ الأبناء منهم، قال الله تعالى: {وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} [41- يس] أي آباءهم.
{ذُرِّيَّةً} نصب على معنى واصطفى ذرية {بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} أي بعضها من ولد بعض، وقيل بعضها من بعض في التناصر وقيل: بعضها على دين بعض {وَاللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

.تفسير الآية رقم (35):

{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)}
قوله تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَة عِمْرَانَ} وهي حنة بنت قافوذا أم مريم، وعمران هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام، وبينهما ألف وثمانون سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم وقيل: عمران بن أشهم.
قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْت لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} أي جعلت الذي في بطني محررًا نذرًا مني لك {فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع الْعَلِيمُ} والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه {مُحَرَّرًا} أي عتيقا خالصا لله مفرغا لعبادة الله ولخدمة الكنيسة لا أشغله بشيء من الدنيا، وكل ما أخلص فهو محرر يقال: حررت العبد إذا أعتقته وخلصته من الرق.
قال الكلبي ومحمد بن إسحاق وغيرهما: كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير إن أحب أقام وإن أحب ذهب حيث شاء وإن أراد أن يخرج بعد التخيير لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محررًا لبيت المقدس، ولم يكن محررًا إلا الغلمان، ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى، فحررت أم مريم ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك أن زكريا وعمران تزوجا أختين، وكانت أشياع بنت قافوذا أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت قافوذا أم مريم عند عمران، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت بذلك نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولدًا وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولدًا أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمته، فحملت بمريم فحررت ما في بطنها، ولم تعلم ما هو فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت، أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك؟ فوقعا جميعا في همٍّ من ذلك فهلك عمران وحنة حامل بمريم.

.تفسير الآية رقم (36):

{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)}
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا} أي ولدتها إذا هي جارية، والهاء في قوله: {وضعتها} راجعة إلى النذير لا إلى ما ولد لذلك أنث {قَالَتْ} حنة وكانت ترجو أن يكون غلامًا {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} اعتذارًا إلى الله عز وجل: {وَاللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ} بجزم التاء إخبارًا عن الله عز وجل وهي قراءة العامة وقرأ ابن عامر وأبو بكر ويعقوب وضعت برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم {وَلَيْسَ الذَّكَر كَالأنْثَى} في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} ومريم بلغتهم العابدة والخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن {وَإِنِّي أُعِيذُهَا} أمنعها وأجيرها {بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا} أولادها {مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} فالشيطان الطريد اللعين، والرجيم المرمي بالشهب.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل الصبي صارخا من الشيطان غير مريم وابنها» ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم}.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب».

.تفسير الآية رقم (37):

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)}
قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} أي تقبل الله مريم من حنة مكان المحرر، وتقبل بمعنى قبل ورضي، والقبول مصدر قبل يقبل قبولا مثل الولوع والوزوع ولم يأت غير هذه الثلاثة. وقيل: معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} معناه: وأنبتها فنبتت نباتًا حسنًا وقيل هذا مصدر على غير اللفظ وكذلك قوله: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} ومثله شائع كقولك تكلمت كلاما وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} أي سلك بها طريق السعداء {وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} يعني سوَّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قال أهل الأخبار: أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار، أبناء هرون وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم فقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، عندي خالتها، فقالت له الأحبار: لا نفعل ذلك، فإنها لو تركت لأحق الناس لها لتركت لأمها التي ولدتها لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلا إلى نهر جار، قال السدي: هو نهر الأردن فألقوا اقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو أولى بها.
وقيل: كان على كل قلم اسم واحد منهم.
وقيل: كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء فارتز قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر، قاله محمد بن إسحاق وجماعة.
وقيل: جرى قلم زكريا مصعدًا إلى أعلى الماء وجرت أقلامهم بجري الماء.
وقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين، وجرت أقلامهم مع جرية الماء فذهب بها الماء فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان زكريا رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون زكريا في محل النصب أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها، وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق، من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: زكريا مقصورا والآخرون يمدونه.
فلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها، بيتا واسترضع لها وقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم مثل باب الكعبة لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} وأراد بالمحراب الغرفة، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها، وكذلك هو من المسجد، ويقال للمسجد أيضا محراب قال المبرد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة، وقال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها غرفتها {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} أي فاكهة في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف {قَالَ يَا مَرْيَم أَنَّى لَكِ هَذَا} قال أبو عبيدة: معناه من أين لك هذا؟ وأنكر بعضهم عليه، وقال: معناه من أي جهة لك هذا؟ لأن {أنى} للسؤال عن الجهة وأين للسؤال عن المكان {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أي من قطف الجنة، قال الحسن: حين ولدت مريم لم تلقم ثديا قط، كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول لها زكريا: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله تكلمت وهي صغيرة {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُق مَنْ يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
وقال محمد بن إسحاق: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل: تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل مريم بنت عمران فأيكم يكفلها بعدي؟ قالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بدا، فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب وكان ابن عم مريم فحملها، فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه فقالت له: يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا، فجعل يوسف يرزق بمكانها منه، فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق، ليس بقدر ما يأتيها به يوسف، فيقول: يا مريم أنى لك هذا قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
قال أهل الأخبار فلما رأى ذلك زكريا قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولدا في غير حينه من الكبر فطمع في الولد، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد.